مجمع البحوث الاسلامية
359
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بحروف أخرى ، فلا ضير أن يقال : حرديّ أو هرديّ . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد مصدرا في سورة مكّيّة : وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ القلم : 25 يلاحظ أوّلا : أنّ ( حرد ) جاء في قصّة أصحاب الجنّة الّتي وصفها اللّه في آيات : كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ والآيات قبلها تحاكي الخشونة والغضب والبخل والإمساك عن التّصدّق على المساكين ، وعن الاستثناء أي قول « إن شاء اللّه » . والآيات بعدها تحاكي النّدم والتّوبة والاعتراف بالظّلم والتّقصير ، وتبرّك التّسبيح ، أي الاستثناء ، ولكن لم ينفعهم ذلك . ثانيا : فسّروا ( حرد ) بقدرة ، جدّ ، إجماع ، انفراد ، فاقة ، وحاجة ، حنق وغضب ، قصد ، منع - أي منع الفقراء - وحمله الطّبريّ على الأخير بحجّة أنّه المعروف من كلام العرب . وكلّ محتمل ولكنّ الأنسب ، بما قبله فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أي يتفاهمون خفية حتّى لا يسمعه أحد ، أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ هو المنع حيث كانوا مصرّين على منع المساكين بجدّ ، أي أصبحوا جازمين ، بأنّهم قادرون على منعهم من خيراتها . قال الزّمخشريّ : « الحرد : من حاردت السّنة ، إذا منعت خيرها ، وحاردت الإبل ، إذا منعت درّها . والمعنى : وغدوا قادرين على نكد لا غير ، عاجزين عن النّفع ، يعني أنّهم عزموا أن يتنكّدوا على المساكين ويحرمونهم وهم قادرون على نفعهم . . . » . ولو قيل : إنّ ( حرد ) هو المنع عن الخير بجدّ وقصد وحنق ، لا مطلق المنع ، لكان حسنا قريبا . ثالثا : قال الآلوسيّ : « الجارّ - أي ( على حرد ) - متعلّق ب ( قادرين ) للحصر ورعاية الفواصل ، أي وغدوا قادرين على منع لا غير » . ثمّ أدام نحو الزّمخشريّ . وكأنّ قيد « غير عاجزين عن النّفع » . مستفاد من المقام ، لأنّ من كان قادرا على المنع فهو قادر على النّفع بطريق أولى ، وقوله : « قدّم ( حرد ) للحصر » فيه تأمّل ؛ إذ ليس هنا مقام الحصر ، بل أخّر عنه ( قادرين ) رعاية للفواصل فقط . ثمّ قال : « وجوّز أن يكون ( على حرد ) متعلّقا ب ( غدوا ) وجاء ( حرد ) مشاكلة للحرث الّذي في أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أي لم يغدوا على حرث ، وإنّما على حرد . و ( قادرين ) من عكس الكلام للتّهكّم ، أي ما قدروا عليه » وهو بعيد وقال المصطفويّ : « أصبحوا على نظر التّنحّي عن المساكين والحدّة عليهم ، مع أنّهم كانوا قادرين على الدّرّ والخير ، ولكنّهم نكدوا » وهو بعيد أيضا . رابعا : قال بعضهم ( قادرين ) حال وقيل : خبر ( غدوا ) لأنّها حملت على « أصبحوا » . ولا بأس به ، لأنّ « غدا » ملحق بالأفعال النّاقصة . خامسا : انفرد القرطبيّ بقوله في ( حرد ) : « قرأ العامّة بالإسكان ، وقرأ أبو العالية وابن السّميقع بالفتح وهما لغتان » . ولم يذكره الطّبريّ ، مع التزامه بذكر القراءات المعتبرة .